الشيخ الطبرسي

207

تفسير مجمع البيان

رسله ( تبديلا ) أي تغييرا ( وهو الذي كف أيديهم عنكم ) بالرعب ( وأيديكم عنهم ) بالنهي ( ببطن مكة ) يعني الحديبية ( من بعد أن أظفركم عليهم ) ذكر الله منته على المؤمنين بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا ، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح ( وكان الله بما تعملون بصيرا ) مر تفسيره . ثم ذكر سبحانه سبب منعه رسول الله ( ص ) ذلك العام دخول مكة ، فقال : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ) أن تطوفوا وتحلوا من عمرتكم يعني قريشا ( والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) أي وصدوا الهدي ، وهي البدن التي ساقها رسول الله ( ص ) معه ، وكانت سبعين بدنة ، حتى بلغ ذي الحليفة ، فقلد البدن التي ساقها ، وأشعرها ، وأحرم بالعمرة حتى نزل بالحديبية ، ومنعه المشركون ، وكان الصلح . فلما تم الصلح نحروا البدن ، فذلك قوله ( معكوفا ) أي : محبوسا عن أن يبلغ محله أي منحره ، وهو حيث يحل نحره يعني مكة ، لأن هدي العمرة لا يذبح إلا بمكة ، كما أن هدي الحج لا يذبح إلا بمنى . ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) يعني المستضعفين الذين كانوا بمكة بين الكفار من أهل الإيمان ( لم تعلموهم ) بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم ( أن تطؤوهم ) بالقتل ، وتوقعوا بهم ( فتصيبكم منهم معرة ) أي إثم وجناية ، عن ابن زيد . وقيل : فيلحقكم بذلك عيب يعيبكم المشركون بأنهم قتلوا أهل دينهم . وقيل : هو غرم الدية والكفارة في قتل الخطأ ، عن ابن عباس . وذلك أنهم لو كبسوا مكة وفيها قوم مؤمنون ، لم يتميزوا من الكفار ، لم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين ، فتلزمهم الكفارة ، وتلحقهم السيئة بقتل من على دينهم ، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها . وجواب لولا محذوف وتقديره : لولا المؤمنون الذين لم تعلموهم ، لوطأتم رقاب المشركين بنصرنا إياكم . وقوله : ( بغير علم ) موضعه التقديم لأن التقدير لولا أن تطؤوهم بغير علم . وقوله : ( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) اللام متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام ، تقديره : فحال بينكم وبينهم ، ليدخل الله في رحمته من يشاء ، يعني من أسلم من الكفار بعد الصلح . وقيل : ليدخل الله في رحمته أولئك بسلامتهم من القتل ويدخل هؤلاء في رحمته بسلامتهم من الطعن والعيب . ( لو تزيلوا ) أي لو تميز المؤمنون من الكافرين ( لعذبنا الذين كفروا منهم ) أي . من أهل مكة ( عذابا أليما )